إذا كانت اشعار انضامن و أغاني الروايس قد استأثرت باهتمام الانسان السوسي، فإن هذا الاهتمام بدأ ينحصر تدريجيا بعد ظهور المجموعات من قبل طاقات شابة رأت أن الوضع الغنائي السائد لا ينسجم و طموحاتها في التجديد ، مما دفعها إلى خلق أغنية بديل تملأ الفراغ الكيفي و النوعي الذي تعاني منه الاغنية بسوس . فهذه المجموعات أتت لترد الاعتبار للأغنية الامازيغية و تخرجها من دوامة الابتذال و لتحقق طفرة نوعية تتمثل في تجاوزها لأغاني الروايس على مستويات عدة : فمن جانب المضمون يلاحظ ملامسة أغاني المجموعات لمواضيع جديدة و معانقتها لقضايا مجتمعها الملحة ، أما من جانب الايقاع فقد شهد تعديلات جدرية تتمثل في دخول آلات جديدة ، أما على مستوى الطريقة و الاداء يلاحظ توزيع الادوار بين أفراد المجموعات خلافا للروايس الذي يحتكر فيها " الرايس " مهام وضع الكلمة و اللحن و الغناء . و كانت بداية المشوار مع مجموعة "ءوسمان " كأول مجموعة تغني بالسوسية حيث ظهرت سنة 1976 لكن سرعان ما فتر الحماس و خبت العزيمة و تبين أن هناك شرطا آخر من شروط الاستمرار و العطاء الفني أغفلته المجموعة ألا و هو الانضباط و الانتظام بين أعضاء المجموعة ، و هذا ما عجل بانطفاء بريق " ءوسمان " و يمكن أن نقول أن ظاهرة الاختفاء أصبحت مألوفة في المجموعات الغنائية المعاصرة بسوس و نمثل لهذا بمجموعات : " لقدام ، ءيزماون ، توادا ، ءيتران ، " و السبب الاول في شيوع هذه الظاهرة هو غياب الوعي الكامل بدور المجموعة و برسالتها الفنية ، أما السبب الثاني فيتجلى في انعدام الانسجام بين أعضاء المجموعة الواحدة علاوة على تباين الاهداف ، فهناك من يسعى إلى الشهرة و الظهور و هناك من يتخذ الغناء و سيلة للمرور للجنس الاخر بينما هناك البعض الاخر يجري وراء الكسب المادي ، و سنقتصر في مبحثنا هذا على مجموعتين فقط و هما مجموعة " إزنزارن عبد الهادي " و مجموعة " أرشاش " باعتبارهما من رواد الشعر المعاصر .
الثلاثاء، ١٢ فبراير ٢٠٠٨
الفصل الأول : III تطور الشعر الامازيغي(1.انضـــامــــن)
لقد سبق و أن قلت في بداية بحثي أن الشعر الامازيغي مر من مرحلة الشفهية إلى الكتابة ، و هذا يعني أنه قبل الوصول إلى مرحلة التدوين و الكتابة فإنه قد مر من مراحل أخرى ، فقد كان في الاول شفهيا حيث يؤخد من شعراء شعبيين أو ما يطلق عليه " انضامن " و جاء من بعد هذه المرحلة ما يسمى " الروايس " ثم بعد الروايس جاءت " الدواوين " و من بعدها " المجموعات " و نحن في مبحثنا هذا سنتطرق فقط لا نضامن و المجموعات .
1. انضـــامــــن .
كلمة " انضامن " مأخودة من نضم ينضم نضما و " انضامن " او ما يطلق عليه شعراء اسايس ينضمون الشعر في نادي اسايس فتؤخد منه الحكم و المواقف ، فهم من حملوا مشعل التوعية بعيدا عن الجوائز و دور النشر و التوزيع ، لا يحتفل بعيد ميلاده و لا تقام الذكرى لوفاته بل و يجهل مواطنوه كل شيء عن حياته ، هذا الشاعر الشعبي الذي أهتمت به الدراسات الاجنبية و تجاهلته الدراسات الوطنية هو نفسه الذي أعطى كل ما يملك للوطن زيادة على مساهمته الفعالة في تبليغ الديانة الاسلامية لقبيلته ، فهو الناطق باسمها و المدافع عنها .
إن " ءامرير " أو " ءانضام " يحكون أخبار الماضي و الحاضر و يلمحون للمستقبل بعيدا عن خشبة الاضواء الكهربائية بلباس شعبي متواضع . و مدرسة أسايس ينعدم فيها التمايز الطبقي و يلتقي فيها المجتمع بكل شرائحه ليمضي لحظات كلها أخد و عطاء . فالشاعر الشعبي يفتح نافدة عريضة على جمهور لا حد لـه فيقوم بدور مهم في التوعية الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و الدينية ، أضف إلى ذلك أنهم يرفهون على الفلاح و العاطل ، و كما هو معلوم " فانضامن " يطلق عليه " ءامرير " و يطلق عليه كذلك " ءامدياز " أو " ءانشاد " هذا الاخير لابد لـه من شروط و مواصفات لكي يكون دخولـه إلى نادي أسايس دخولا شرعيا فقبل ولوجه إلى الميدان يتحتم عليه :
*أن يكون قادرا على صياغة الشعر و احترام ضوابطه الفنية .*
كلمة " انضامن " مأخودة من نضم ينضم نضما و " انضامن " او ما يطلق عليه شعراء اسايس ينضمون الشعر في نادي اسايس فتؤخد منه الحكم و المواقف ، فهم من حملوا مشعل التوعية بعيدا عن الجوائز و دور النشر و التوزيع ، لا يحتفل بعيد ميلاده و لا تقام الذكرى لوفاته بل و يجهل مواطنوه كل شيء عن حياته ، هذا الشاعر الشعبي الذي أهتمت به الدراسات الاجنبية و تجاهلته الدراسات الوطنية هو نفسه الذي أعطى كل ما يملك للوطن زيادة على مساهمته الفعالة في تبليغ الديانة الاسلامية لقبيلته ، فهو الناطق باسمها و المدافع عنها .
إن " ءامرير " أو " ءانضام " يحكون أخبار الماضي و الحاضر و يلمحون للمستقبل بعيدا عن خشبة الاضواء الكهربائية بلباس شعبي متواضع . و مدرسة أسايس ينعدم فيها التمايز الطبقي و يلتقي فيها المجتمع بكل شرائحه ليمضي لحظات كلها أخد و عطاء . فالشاعر الشعبي يفتح نافدة عريضة على جمهور لا حد لـه فيقوم بدور مهم في التوعية الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و الدينية ، أضف إلى ذلك أنهم يرفهون على الفلاح و العاطل ، و كما هو معلوم " فانضامن " يطلق عليه " ءامرير " و يطلق عليه كذلك " ءامدياز " أو " ءانشاد " هذا الاخير لابد لـه من شروط و مواصفات لكي يكون دخولـه إلى نادي أسايس دخولا شرعيا فقبل ولوجه إلى الميدان يتحتم عليه :
*أن يكون قادرا على صياغة الشعر و احترام ضوابطه الفنية .*
*أن يتطلع في لغته لفظا و معنا و صياغة .أن يكون مطلعا اطلاعا تاما على قضايا مجتمعه
اما بعد دخوله إلى الميدان فيجب عليه :
* أن يتصف بالرزانة بعيدا عن التسرع و الاندفاع .
*ان تكون أساليبه متنوعة .
*أن يكون ملتزما إلى أقصى الحدود .
*أن يكون جريئا في نقد الاوضاع و إتارة العواطف .
عند ما نتحدث عن " انضامن " أو بالاحرى كتاب الجرائد الشفوية فإنه بطبيعة الحال نستحضر مجموعة من شعراء اسايس أمثال " لحسن اجماع " و إحيا بوقدير أزدو " و " عثمان ازوليض " و " عمر الحنافي " و " بوزنيغ " و " مبارك بن زيدا " و "عمر أجوي " و غيرهم من الشعراء الذين تسلقوا سلاليم العبقرية في هذا الميدان و استطاعوا بشفاههم تدوين صفحات مشرقة من صفحات الحركة الوطنية بالجنوب و لا بأس من التطرق لبعض هؤلاء الشعراء :
أ- عمر أجــــوي :
هو عمر بن محمد بن مبارك المشهور بالرايس عمر اجوي و هو من مواليد دوار أيت برييم و يلقب بشيخ الشعراء . و فكرة الحديث عن هذا الشاعر لم تأت اعتباطيا فيكفي أن نعلم أن الرايس عمر قد توزع على مجالين ابداعيين هما أحواش و فن الروايس ، و يكفي أيضا أن نعلم أنه نزل إلى اسايس منذ سن مبكرة منافسا بذلك أصحاب الباع الطويل ، و قد وجد كالمعتاد صعوبة في فرض صوته في هذا المجال لكن بعد تجارب كثيرة ومديدة و الاصرار الواضح تمكن من أن يجد لـه ملاذا في ملكوت الشعر . و الشاعر عمر كان ذا إلمام بقواعد أسايس وذا موهبة فذة و هذا كله بفضل صحبته لكبار مبدعي عصره .
يقول عمر أجوي
أك أوصاح هان لغرض أس سول إلا واوال
*ان تكون أساليبه متنوعة .
*أن يكون ملتزما إلى أقصى الحدود .
*أن يكون جريئا في نقد الاوضاع و إتارة العواطف .
عند ما نتحدث عن " انضامن " أو بالاحرى كتاب الجرائد الشفوية فإنه بطبيعة الحال نستحضر مجموعة من شعراء اسايس أمثال " لحسن اجماع " و إحيا بوقدير أزدو " و " عثمان ازوليض " و " عمر الحنافي " و " بوزنيغ " و " مبارك بن زيدا " و "عمر أجوي " و غيرهم من الشعراء الذين تسلقوا سلاليم العبقرية في هذا الميدان و استطاعوا بشفاههم تدوين صفحات مشرقة من صفحات الحركة الوطنية بالجنوب و لا بأس من التطرق لبعض هؤلاء الشعراء :
أ- عمر أجــــوي :
هو عمر بن محمد بن مبارك المشهور بالرايس عمر اجوي و هو من مواليد دوار أيت برييم و يلقب بشيخ الشعراء . و فكرة الحديث عن هذا الشاعر لم تأت اعتباطيا فيكفي أن نعلم أن الرايس عمر قد توزع على مجالين ابداعيين هما أحواش و فن الروايس ، و يكفي أيضا أن نعلم أنه نزل إلى اسايس منذ سن مبكرة منافسا بذلك أصحاب الباع الطويل ، و قد وجد كالمعتاد صعوبة في فرض صوته في هذا المجال لكن بعد تجارب كثيرة ومديدة و الاصرار الواضح تمكن من أن يجد لـه ملاذا في ملكوت الشعر . و الشاعر عمر كان ذا إلمام بقواعد أسايس وذا موهبة فذة و هذا كله بفضل صحبته لكبار مبدعي عصره .
يقول عمر أجوي
أك أوصاح هان لغرض أس سول إلا واوال
أوكان كيك لغرض أرك إتيري كيوان
أتاريالين إخور حاضيرنت إيان
لمال أيلان أتيك أور إنا يان نكين
الشاعر عمر في هذه الابيات يشير إلى زحف القيم المادية للمجتمع و إفسادها للعلاقات الانسانية في المدن و البوادي ، نجده كذلك في مجموعة من أشعاره يتحدث عن الحب و عن الصداقة ، و هذا يعني أن قصائده تتناول مختلف الاغراض إلا أن المجال الذي ينفرد به و الذي أبدع فيه ما لم يبدعه غيره هو مجال الحكاية و الاسطورة في قصائد مطولة تحتوي الشخصيات و الاحداث و الامكنة ، فتضفي عليها الكلمة الشعرية أبعادا جمالية رائعة . و الحكايات تتعدد أشكالها بين الحكاية الدينية و الاجتماعية و التاريخية و يتناول إلى جانب الحكايات بعض الوقائع و الاحداث الاجتماعية أو الاحداث التاريخية التي عرفتها سوس و المغرب ككل . و تتميز عنده من الناحية الايقاعية العروضية باستعمال الاوزان الاكثر تنغيما و اتساعا لحجم أحداث الحكاية مثل :أي لا لا لا لا لا لا ي لا لا ي دالال . و من أهم الحكايات و الاساطير التي قام بنضمها عمر حكاية تودد الجارية التي هي من حكايات ألف ليلة و ليلة بالاضافة إلى قصص الانبياء " كموسى و عيسى و يوسف " و غيرهم . و ما يثير الانتباه في القصائد التي تضم القدرة العجيبة للناضم على ادراك الابعاد الانسانية للاحداث . لقد امتد العمر بالشاعر أجوي فعاصر الجيل الحالي من الشعراء الشباب و المجموعات الغنائية، و ان لم تكن جميع مظاهر التجديد في فن الغناء الامازيغي قد راقت لـه ، فإنه رغم ذلك خاض نسبيا في تجربة التجديد بما نضمه لبعض الشباب المعاصرين على أوزان تتلائم و ذوقهم الموسيقي .
لقد امتد العمر بشاعرنا فتجاوز الثمانين من عمره ، و بانصراف الناس عنه بدأ يتحسر على ايام كان فيها يسابق الزمن و يشغل الناس بفنه . و معاناة العزلة و مغادرة الاصدقاء لعالم الشاعر تجعله ينظر لنفسه ككائن منسي و تظهر هذه المعاناة من خلال الابيات التالية :
أرجا فلله الحباب إخسان أرد رمين
الشاعر عمر في هذه الابيات يشير إلى زحف القيم المادية للمجتمع و إفسادها للعلاقات الانسانية في المدن و البوادي ، نجده كذلك في مجموعة من أشعاره يتحدث عن الحب و عن الصداقة ، و هذا يعني أن قصائده تتناول مختلف الاغراض إلا أن المجال الذي ينفرد به و الذي أبدع فيه ما لم يبدعه غيره هو مجال الحكاية و الاسطورة في قصائد مطولة تحتوي الشخصيات و الاحداث و الامكنة ، فتضفي عليها الكلمة الشعرية أبعادا جمالية رائعة . و الحكايات تتعدد أشكالها بين الحكاية الدينية و الاجتماعية و التاريخية و يتناول إلى جانب الحكايات بعض الوقائع و الاحداث الاجتماعية أو الاحداث التاريخية التي عرفتها سوس و المغرب ككل . و تتميز عنده من الناحية الايقاعية العروضية باستعمال الاوزان الاكثر تنغيما و اتساعا لحجم أحداث الحكاية مثل :أي لا لا لا لا لا لا ي لا لا ي دالال . و من أهم الحكايات و الاساطير التي قام بنضمها عمر حكاية تودد الجارية التي هي من حكايات ألف ليلة و ليلة بالاضافة إلى قصص الانبياء " كموسى و عيسى و يوسف " و غيرهم . و ما يثير الانتباه في القصائد التي تضم القدرة العجيبة للناضم على ادراك الابعاد الانسانية للاحداث . لقد امتد العمر بالشاعر أجوي فعاصر الجيل الحالي من الشعراء الشباب و المجموعات الغنائية، و ان لم تكن جميع مظاهر التجديد في فن الغناء الامازيغي قد راقت لـه ، فإنه رغم ذلك خاض نسبيا في تجربة التجديد بما نضمه لبعض الشباب المعاصرين على أوزان تتلائم و ذوقهم الموسيقي .
لقد امتد العمر بشاعرنا فتجاوز الثمانين من عمره ، و بانصراف الناس عنه بدأ يتحسر على ايام كان فيها يسابق الزمن و يشغل الناس بفنه . و معاناة العزلة و مغادرة الاصدقاء لعالم الشاعر تجعله ينظر لنفسه ككائن منسي و تظهر هذه المعاناة من خلال الابيات التالية :
أرجا فلله الحباب إخسان أرد رمين
أرد سول زضاراخ أد لكمخ مدن عدلنين
إخ نكن أرغييض أرتخميمخ الاخبارنخ
نحاسب إمد وكال أفاحن ميا د لا لوف
إن شخصية " عمر أجوي " و ذاكرته التي قل نظيرها وتراثه الشفاهي الضخم لا يجب أن يبقى منضوما في قصائد فيأتي زمن فتضيع . فعلى المسؤولين على الثقافة بصفة عامة و الشعبية منها بصفة خاصة في بلادنا أن يقوموا بجمع قصائده و محاوراته في ديوان فيكون ذلك اعترافا ببعض ما أسداه للثقافة الوطنية وبمثابة تشجيع للأخرين .
ب- مبارك بن زيدا
سبق و أن تحدثنا عن الشروط التي يجب أن يتوفر عليها الناضم بعد دخولـه هذا الميدان ، و منها أن يكون جريئا في نقد الاوضاع و إتارة العواطف . فالجرأة إذن هي القوة التي تدفع الشاعر إلى الوقوف أمام عشاق هذا الفن من مختلف الاعمار ، تنظر إليه العيون و تسمعه الاذان بجادبية فريدة تستحثه على المضي إلى الامام و الافصاح عن كل شيء غير مبال بمن حولـه ، و اختيارنا لهذا الناضم لم يكن وليد الصدفة فهو من أكثر الشعراء جرأة ، و الحديث عنه يتطلب منا وقوفا طويلا لأنه نموذج فريد من نوعه بين شعراء جيله ، فهو سريع الانفعال لاذع اللسان جريء في ردوده إلا أن أهم ما يميز " مبارك بن زيدا " إضافة إلى جرأته أنه كان متواضعا ، ففي مساجلاته المشهورة كان يبدأ بذكرعيوبه و لا يبادر خصومه بذكر مثالبهم إلا بعد أن يستنفذ ما في جعبته من الموادعة ، و حينما ينفجر يكون كالنهر الجارف الذي يخرب كل ما وجده بجوانب المجرى بدون رحمة و لا شفقة .
لقد ترعرع هذا الشاعر في حضن العبودية فأبوه كان مملوكا لأسرة من مرابطي أيت حساين " بأكادير لهنا " و أمه كانت مملوكة لاسرة من أعيان قرية " أكجكال " بمنطقة أفراو. و كان العرف يقضي ببقاء الابن في حجر أمه و قد كان سواد بشرته منشأ كبريائه و الاعتزاز بالنفس فقد كان منذ صغره مزهوا لا يقبل الدل ، و لذلك اختار الشعر بعيدا عن التصنع و التملق لاستمالة ايادي البر و الاحسان .
لقد بدأ هذا الشاعر يصعد في سماء أسايس ، فإلى جانب حضوره في المساجلات الشعرية الكبرى بين عباقرة الكلمة كتلميذ يحدوه الامل إلى الاخد من هذا الفن ، كان يتدخل كلما سنحت له الفرصة ليبدي رأيه .
إن جرأة " مبارك بن زيدا " جعلته ينضم الشعر في مختلف الاغراض خاصة السياسية فقد كان جريئا حين تحدث عن العملاء الذين تسلموا المناصب بعد الاستقلال و قد اشار إلى أحد هؤلاء متوعدا اياه يقول :
لحاق أرد ءتكا غ ئخف نسن يان ئميك
إن شخصية " عمر أجوي " و ذاكرته التي قل نظيرها وتراثه الشفاهي الضخم لا يجب أن يبقى منضوما في قصائد فيأتي زمن فتضيع . فعلى المسؤولين على الثقافة بصفة عامة و الشعبية منها بصفة خاصة في بلادنا أن يقوموا بجمع قصائده و محاوراته في ديوان فيكون ذلك اعترافا ببعض ما أسداه للثقافة الوطنية وبمثابة تشجيع للأخرين .
ب- مبارك بن زيدا
سبق و أن تحدثنا عن الشروط التي يجب أن يتوفر عليها الناضم بعد دخولـه هذا الميدان ، و منها أن يكون جريئا في نقد الاوضاع و إتارة العواطف . فالجرأة إذن هي القوة التي تدفع الشاعر إلى الوقوف أمام عشاق هذا الفن من مختلف الاعمار ، تنظر إليه العيون و تسمعه الاذان بجادبية فريدة تستحثه على المضي إلى الامام و الافصاح عن كل شيء غير مبال بمن حولـه ، و اختيارنا لهذا الناضم لم يكن وليد الصدفة فهو من أكثر الشعراء جرأة ، و الحديث عنه يتطلب منا وقوفا طويلا لأنه نموذج فريد من نوعه بين شعراء جيله ، فهو سريع الانفعال لاذع اللسان جريء في ردوده إلا أن أهم ما يميز " مبارك بن زيدا " إضافة إلى جرأته أنه كان متواضعا ، ففي مساجلاته المشهورة كان يبدأ بذكرعيوبه و لا يبادر خصومه بذكر مثالبهم إلا بعد أن يستنفذ ما في جعبته من الموادعة ، و حينما ينفجر يكون كالنهر الجارف الذي يخرب كل ما وجده بجوانب المجرى بدون رحمة و لا شفقة .
لقد ترعرع هذا الشاعر في حضن العبودية فأبوه كان مملوكا لأسرة من مرابطي أيت حساين " بأكادير لهنا " و أمه كانت مملوكة لاسرة من أعيان قرية " أكجكال " بمنطقة أفراو. و كان العرف يقضي ببقاء الابن في حجر أمه و قد كان سواد بشرته منشأ كبريائه و الاعتزاز بالنفس فقد كان منذ صغره مزهوا لا يقبل الدل ، و لذلك اختار الشعر بعيدا عن التصنع و التملق لاستمالة ايادي البر و الاحسان .
لقد بدأ هذا الشاعر يصعد في سماء أسايس ، فإلى جانب حضوره في المساجلات الشعرية الكبرى بين عباقرة الكلمة كتلميذ يحدوه الامل إلى الاخد من هذا الفن ، كان يتدخل كلما سنحت له الفرصة ليبدي رأيه .
إن جرأة " مبارك بن زيدا " جعلته ينضم الشعر في مختلف الاغراض خاصة السياسية فقد كان جريئا حين تحدث عن العملاء الذين تسلموا المناصب بعد الاستقلال و قد اشار إلى أحد هؤلاء متوعدا اياه يقول :
لحاق أرد ءتكا غ ئخف نسن يان ئميك
أسنا غ راد ئفوغ أس ؤر تلا أسافار
ويلي نغانين لهيشت ؤرتن ئسن يان
نيريت س لحفلا د ئحيا ئغتن كانيخ
كل ما كان كوكب الشعر يسمو عند ابن زيدا كلما ازداد مناوئوه بين الشعراء الذين يقاسمونه ميدان أسايس ، لذلك فحكايته مع هؤلاء تعتبر المثال الحي للتحدي الابداعي العنيف فهو في لقاءاته الساخنة مع منافسيه لا يلقي بجميع حباله مند أول وهلة و لكنه حينما تتصدع حفيظته لا يمكن كبح جماحه ، فجرأته لا تماثلها اية جرأة و هي اشبه ما تكون بجرأة جريرالشاعر العربي فقد تجرأ على نفسه قبل أي أحد أخر .
مدن سن كولو تاغاط تالي يى يورونمـدن
كل ما كان كوكب الشعر يسمو عند ابن زيدا كلما ازداد مناوئوه بين الشعراء الذين يقاسمونه ميدان أسايس ، لذلك فحكايته مع هؤلاء تعتبر المثال الحي للتحدي الابداعي العنيف فهو في لقاءاته الساخنة مع منافسيه لا يلقي بجميع حباله مند أول وهلة و لكنه حينما تتصدع حفيظته لا يمكن كبح جماحه ، فجرأته لا تماثلها اية جرأة و هي اشبه ما تكون بجرأة جريرالشاعر العربي فقد تجرأ على نفسه قبل أي أحد أخر .
مدن سن كولو تاغاط تالي يى يورونمـدن
شاهذات ئس مزيكخ أنشك ن ووراو
و تجرأ كذلك على امه :
و تجرأ كذلك على امه :
لاه ؤرسار تاهالنح ؤلا نيويتنت
ئغن ؤرنود ئ زيدا س تير شت ن واكال
تكينت أد تزي غ ؤ نوال ت تمكالين
برهانا على تحرره من كافة العقد و القيود ، لقد أصيب رحمه الله بسرطان الحنجرة و الفم بسبب تعاطيه للتبغ بكثرة ، و بجرأته خلق جمهورا عريضا . و نستطيع أن نقول أنه أعطى نفسا جديدا للشعر الامازيغي إذ أنه بالاضافة إلى جرأته فإن اشعاره تفوح حكمة و أخلاقا
الفصل الأول : II. الشعر الامـــــازيغـــي :(5. ارتباطــــــه بحياة الانسان )
ان جل الامازيغ في سوس كهولا و شبانا و صغارا ، المثقف و العامي منهم … كل له نصيبه من الشعر ، فإما أن يكون شاعرا مبرزا أو راوية حفاظة ، و إن لم يكن كذلك فقد يكون ذواقا له مغرما بسماعه ، منتملا بروائعه .و الشعراء الامازيغ كغيرهم من الشعراء العرب أو الاجانب لهم ارتباط كبير من خلال شعرهم بحياة الانسان . فمن خلال اشعارهم نجد كل ما يحيط بالانسان من أفراح و أقراح و ما يهم مصيره سواء في الدنيا أو الاخرة ، فالامازيغ يرتبطون بالشعر بشكل عجيب فهم يعتبرونه بمثابة مرجع يرجعون إليه عندما يحتاجون إلى شيء يهمهم سواء كان عن حل لمشكل أو رغبة في معرفة ما سينفعهم في دنياهم و آخرتهم ، و حتى عند الرغبة في الترويح عن النفس فإنهم يجتمعون في سهرات " أحواش " التي يقيمها أبناء قبيلتهم و التي تكون بشكل منتظم ، و كما قال " محمد مستاوي " بهذا الخصوص : « الشعر الحقيقي في نظري هو المعبر عن الالم و الامال سواء أكان التعبير بالرسم أو بالكلمات … و سواء أكان بالعربية أو الامازيغية أو الفرنسية أو الصينية »[1] .
هذه القولة تؤكذ لنا ارتباط الشعر بحياة الانسان ، و أنه يؤدي وظيفته و لو كتب بأي لغة كيفما كان أصلها . إذ العلاقة وطيدة بين الشعر و الانسان بشكل كبير فالامازيغي السوسي يجد راحته و ضالته في الشعر فيلجأ إليه كلما دعت الضرورة إلى ذلك و حسب نوعية هذا الشعر الذي يرغب فيه و الطريقة التي يريد أن يروح بها عن نفسه ، فهناك من يلجأ إلى : أحواش أو إلى سهرات فنية يردد فيها الشعر الامازيغي ، و هناك مثال بعض " الجماعات الاسلامية " ان صح التعبير كالدرقاويين و اليتجانيين الذين يرددون و ينشدون الشعر بطريقة صوفية تزرع فيهم الخشوع و ذلك بمدح الرسول صلى الله عليه و سلم ، و الشكر لله و ذكر خيراته وما منحه للانسان من نعم و خيرات ….و هكذا فالشعر الامازيغي حاضر بقوة لدى مختلف الشرائح سواء منهم المثقف أو العامي إذ يعتبر هذا الاخير – الشعر – بمثابة الجريدة و الكتاب و المسرح و السينما
[1] " إسكراف " محمد المستاوي ، ص : 3 . ط : 1 .
هذه القولة تؤكذ لنا ارتباط الشعر بحياة الانسان ، و أنه يؤدي وظيفته و لو كتب بأي لغة كيفما كان أصلها . إذ العلاقة وطيدة بين الشعر و الانسان بشكل كبير فالامازيغي السوسي يجد راحته و ضالته في الشعر فيلجأ إليه كلما دعت الضرورة إلى ذلك و حسب نوعية هذا الشعر الذي يرغب فيه و الطريقة التي يريد أن يروح بها عن نفسه ، فهناك من يلجأ إلى : أحواش أو إلى سهرات فنية يردد فيها الشعر الامازيغي ، و هناك مثال بعض " الجماعات الاسلامية " ان صح التعبير كالدرقاويين و اليتجانيين الذين يرددون و ينشدون الشعر بطريقة صوفية تزرع فيهم الخشوع و ذلك بمدح الرسول صلى الله عليه و سلم ، و الشكر لله و ذكر خيراته وما منحه للانسان من نعم و خيرات ….و هكذا فالشعر الامازيغي حاضر بقوة لدى مختلف الشرائح سواء منهم المثقف أو العامي إذ يعتبر هذا الاخير – الشعر – بمثابة الجريدة و الكتاب و المسرح و السينما
[1] " إسكراف " محمد المستاوي ، ص : 3 . ط : 1 .
الفصل الأول : II. الشعر الامـــــازيغـــي (4 مراحلـــــــــــه:)
لقد عرف الشعر الامازيغي مرحلتين مهمتين في تاريخه حيث لكل واحدة منها خصائص تميزها عن الأخرى :
الشعر الغنائي التقليدي : يعد الشعر من أقدم الفنون الادبية في الثقافة الامازيغية و هو أكثر الاجناس انتشارا و تداولا في المجتمع الامازيغي قديما و راهنا . و كاد لأهميته و غزارة مادته أن يغطي على الاجناس النثرية خاصة في مجال الدراسات الادبية و الابحاث المتخصصة . و الشعر التقليدي لا ينفصل عن فني الغناء و الرقص إذ يعتبر بمثابة ظاهرة جماعية تندمج في المناخ الثقافي و في الحياة اليومية للمجتمع الذي يتمخض عنها ، و الذي يتوصل بها للتعبير عن أفراحه و أحزانه و انشغالاته ، فيكون انبتاقها مقرونا بالمناسبات الاجتماعية و الدينية التي توقع حياة الافراد و الجماعات ، و لذلك ففي المجتمع الامازيغي ينسحب المصطلح المقابل للشعر " أمارك " في آن واحد على الشعر ذاته كما على الغناء و الرقص الجماعيين ، و هكذا فالشعر الامازيغي غنائي في جوهره مصطبغ بالشفهية و الجماعية اللتين تجعلان منه إنتاجا مرهونا بظروف تواصلية مباشرة و بدونها يفقد أهم مقوماته و وظائفه .
و نظرا للطبيعة الشفهية للشعر الامازيغي ، مثله في ذلك مثل سائر الاجناس الادبية التقليدية فإن الكثير من روائعه القديمة لم يتم تداركها ، كما أن الكثير مما هو محفوظ يحوم الشك حول صحته و نسبته و تاريخه ، لما يشوبه أثناء تناقله جيلا بعد جيل من تحريف و انتحال .
الشعر الحديث : نقصد بالشعر الامازيغي الحديث مجموعة من الابداعات التي ظهرت في العقدين الاخيرين مع ظاهرة تحول الادب الامازيغي من مرحلة الشفهية إلى مرحلة الكتابة و قد دشن هذا التيار بنشر أول ديوان أمازيغي " لهجة تاشلحيت " للشاعر " محمد مستاوي " " ءيسكراف " و التي تعني باللغة الفصحى " القيود" ، و في الوقت الراهن يتمثل التراكم المتوفر في سبعة دواوين مطبوعة من النصوص المنشورة ضمن أعمال ندوات ثقافية أو في المجلات . و هذه الاعمال الجديدة رغم ظهورها في سياق ثقافي واحد فهي ليست تيارا متجانسا يصدر أصحابه عن وحدة في الرؤيا و التصور و التطلعات ، بل هي محاولات فردية لمثقفين من مختلف المشارب الثقافية و المهنية ، لكنها في مجملها تضاف إلى التجارب النثرية الحديثة لتوجيه الادب الامازيغي نحو مسار أدب جديد على غرار الاداب العالمية .
و رغم أن النقد المتخصص لم يهتم بعد بتثمين هذه التجربة فإن الارتسامات الاولية بشأنها يمكن أن تلخص في الخصائص التالية التي تستقرأ من مقارنة هذا الشعر بالشعر الغنائي التقليدي : فالشعر الحديث إبداع كتابي بالدرجة الاولى لأنه لا يرتبط بمجالات الثقافة الشفوية التي ينبع منها الشعر الغنائي ، و هو بذلك يعتمد على النشر في تبليغه إلى القراء و كتابته لا تتم لاغراض تدوينه . و توثيقه يتولاه الباحث و المهتم دون الشاعر – المغني ذاته بل إن الامر يتعلق بتأليف و قرض كتابي في جوهره يقوم به الشاعر – المؤلف الذي يحتفظ بحق إمتلاكه لابداعاته المنسوبة إليه ، على عكس الشاعر التقليدي الذي كثيرا ما يذوب إنتاجه في الملكية الثقافية الجماعية ، و حتى في حال انتقال القصيدة الحديثة من الديوان إلى الاداء الغنائي ، فإن ذلك لا ينزع خاصية الكتابة بقدر ما يكرسه على غرار النصوص المؤداة في الاداب العالمية ، كلمات تؤدى وفق أعراف الشعر الغنائي الحديث .
و بالنسبة للدواوين و القصائد المتوفرة لحد الان و التي أغلبها بلهجة تاشلحيت ، فإن الكتابة تعتمد على الحرف العربي ، على عكس الشعر التقليدي الامازيغي بالجزائر و الذي ينقل بواسطة الخط اللاتيني .
إلا أن أغلب إنتاجات الشعر الامازيغي الحديث تقدم وفق النموذج الشائع على الشعر الحديث في الاداب الاخرى كالشعر الحر بالنسبة للعربية مثلا .يتبين من هذه النظرة الوجيزة عن الادب الامازيغي و أجناسه أن هذا الاخير أدب حيوي لا يشكو من أي قصور جوهري ، و أنه يحمل في طياته بذور إنتعاشه و تطوره إن توفرت الظروف الموضوعية لذلك و هو يستمد حيويته هاته من طبيعة الثقافة الامازيغية التي صمدت عبر آلاف السنين أمام مختلف العناصر المهددة لهويتها ، و لم تزدها القرون المتلاحقة من الاحتكاك بغيرها من الثقافات إلا غنى و رسوخا رغم ما بقيت فيه و لمدة طويلة من شفهية ضاع معها الكثير من ثرواتها الادبية .
الشعر الغنائي التقليدي : يعد الشعر من أقدم الفنون الادبية في الثقافة الامازيغية و هو أكثر الاجناس انتشارا و تداولا في المجتمع الامازيغي قديما و راهنا . و كاد لأهميته و غزارة مادته أن يغطي على الاجناس النثرية خاصة في مجال الدراسات الادبية و الابحاث المتخصصة . و الشعر التقليدي لا ينفصل عن فني الغناء و الرقص إذ يعتبر بمثابة ظاهرة جماعية تندمج في المناخ الثقافي و في الحياة اليومية للمجتمع الذي يتمخض عنها ، و الذي يتوصل بها للتعبير عن أفراحه و أحزانه و انشغالاته ، فيكون انبتاقها مقرونا بالمناسبات الاجتماعية و الدينية التي توقع حياة الافراد و الجماعات ، و لذلك ففي المجتمع الامازيغي ينسحب المصطلح المقابل للشعر " أمارك " في آن واحد على الشعر ذاته كما على الغناء و الرقص الجماعيين ، و هكذا فالشعر الامازيغي غنائي في جوهره مصطبغ بالشفهية و الجماعية اللتين تجعلان منه إنتاجا مرهونا بظروف تواصلية مباشرة و بدونها يفقد أهم مقوماته و وظائفه .
و نظرا للطبيعة الشفهية للشعر الامازيغي ، مثله في ذلك مثل سائر الاجناس الادبية التقليدية فإن الكثير من روائعه القديمة لم يتم تداركها ، كما أن الكثير مما هو محفوظ يحوم الشك حول صحته و نسبته و تاريخه ، لما يشوبه أثناء تناقله جيلا بعد جيل من تحريف و انتحال .
الشعر الحديث : نقصد بالشعر الامازيغي الحديث مجموعة من الابداعات التي ظهرت في العقدين الاخيرين مع ظاهرة تحول الادب الامازيغي من مرحلة الشفهية إلى مرحلة الكتابة و قد دشن هذا التيار بنشر أول ديوان أمازيغي " لهجة تاشلحيت " للشاعر " محمد مستاوي " " ءيسكراف " و التي تعني باللغة الفصحى " القيود" ، و في الوقت الراهن يتمثل التراكم المتوفر في سبعة دواوين مطبوعة من النصوص المنشورة ضمن أعمال ندوات ثقافية أو في المجلات . و هذه الاعمال الجديدة رغم ظهورها في سياق ثقافي واحد فهي ليست تيارا متجانسا يصدر أصحابه عن وحدة في الرؤيا و التصور و التطلعات ، بل هي محاولات فردية لمثقفين من مختلف المشارب الثقافية و المهنية ، لكنها في مجملها تضاف إلى التجارب النثرية الحديثة لتوجيه الادب الامازيغي نحو مسار أدب جديد على غرار الاداب العالمية .
و رغم أن النقد المتخصص لم يهتم بعد بتثمين هذه التجربة فإن الارتسامات الاولية بشأنها يمكن أن تلخص في الخصائص التالية التي تستقرأ من مقارنة هذا الشعر بالشعر الغنائي التقليدي : فالشعر الحديث إبداع كتابي بالدرجة الاولى لأنه لا يرتبط بمجالات الثقافة الشفوية التي ينبع منها الشعر الغنائي ، و هو بذلك يعتمد على النشر في تبليغه إلى القراء و كتابته لا تتم لاغراض تدوينه . و توثيقه يتولاه الباحث و المهتم دون الشاعر – المغني ذاته بل إن الامر يتعلق بتأليف و قرض كتابي في جوهره يقوم به الشاعر – المؤلف الذي يحتفظ بحق إمتلاكه لابداعاته المنسوبة إليه ، على عكس الشاعر التقليدي الذي كثيرا ما يذوب إنتاجه في الملكية الثقافية الجماعية ، و حتى في حال انتقال القصيدة الحديثة من الديوان إلى الاداء الغنائي ، فإن ذلك لا ينزع خاصية الكتابة بقدر ما يكرسه على غرار النصوص المؤداة في الاداب العالمية ، كلمات تؤدى وفق أعراف الشعر الغنائي الحديث .
و بالنسبة للدواوين و القصائد المتوفرة لحد الان و التي أغلبها بلهجة تاشلحيت ، فإن الكتابة تعتمد على الحرف العربي ، على عكس الشعر التقليدي الامازيغي بالجزائر و الذي ينقل بواسطة الخط اللاتيني .
إلا أن أغلب إنتاجات الشعر الامازيغي الحديث تقدم وفق النموذج الشائع على الشعر الحديث في الاداب الاخرى كالشعر الحر بالنسبة للعربية مثلا .يتبين من هذه النظرة الوجيزة عن الادب الامازيغي و أجناسه أن هذا الاخير أدب حيوي لا يشكو من أي قصور جوهري ، و أنه يحمل في طياته بذور إنتعاشه و تطوره إن توفرت الظروف الموضوعية لذلك و هو يستمد حيويته هاته من طبيعة الثقافة الامازيغية التي صمدت عبر آلاف السنين أمام مختلف العناصر المهددة لهويتها ، و لم تزدها القرون المتلاحقة من الاحتكاك بغيرها من الثقافات إلا غنى و رسوخا رغم ما بقيت فيه و لمدة طويلة من شفهية ضاع معها الكثير من ثرواتها الادبية .
الفصل الأول : II. الشعر الامـــــازيغـــي (3. موطـنــــــه و أماكنـــــــه )
يمكننا تقسيم بيئة وجود الشعر الامازيغي إلى : مواطن و أماكن .
*الموطن : و يضم المناطق التي تعتبر فيها الامازيغية لغة الحياة اليومية و تمتد من الضواحي الجنوبية لمدينة مراكش لتشمل شمال و جنوب المناطق الغربية للاطلس الكبير ثم سهل سوس و الاطلس .
* الاماكن : و هي المناطق التي لا تعتبر فيها الامازيغية لغة يومية ، و لكن يوجد فيها الامازيغ سواء داخل المغرب أو خارجه . ففي المغرب كل الاماكن التي يوجد فيها الامازيغ بعيدا عن مواطن الشعر ، و بالتالي فالدار البيضاء تعتبر القلب النابض لهذا الشعر قبيل النصف الثاني من القرن الثامن عشر إلى الان إذ فيها يقيم أشهر الشعراء . أما في الخارج ، فإن هذا الشعر يوجد في كل مكان يعيش فيه عشاقه ، يمضون وقتا في إنشاده و يتحاورون به في أسمارهم أو يشاهدونه و يسمعونه من مختلف الاشرطة سواء منها السمعية أو المرئية ، و يمكن اعتبار مدينة " باريز " بفرنسا أهم مكان خدم الشعر الامازيغي في الخارج ، إذ بهذه المدينة سجلت القصائد المغناة في الاسطوانات منذ النصف الاول من القرن الثامن عشر إلى اليوم ، و فيها صدرت أهم الكتب التي تناولت هذا الشعر ، علاوة على أن باريز تعتبر أهم مكان ( ملتقى ) يلتقي فيه الشعراء الممتازين سواء من يعمل منهم في أوربا أو من يعمل في لمغرب.
الفصل الأول : II. الشعر الامـــــازيغـــي (2. نشأتــــــه و ازدهـــــــــاره :)
لقد اهتم المغاربة بالشعر الامازيغي قبل دخولهم في الاسلام « فقد تبث أنهم كانوا ينظمون الملاحم على عهد الرومان يسجلون فيها بطولاتهم و يتمدحون بما عندهم من أمجاد »[1] و يظهر أن ازدهار هذا الشعر كان مستمرا حتى بعد مجيء الاسلام ، إذ عثر محمد المختار السوسي[2] على ملحمة تصفح فتح إفريقية ، و حتى بعد قرون من انتشار الدين الاسلامي في المغرب . فهناك ما يشير إلى أن الشعر الامازيغي كان لـه دور و تأثير على النفوس ، و في القرن العاشر الذي كان عصر الصوفية الذهبي في سوس بقي الشعر الامازيغي نشيط و نفهم هذا مما قام به الفقيه النحوي " يحي بن سعيد الكزامي " ، إذ أخد حكاية شعرية أمازيغية فعربها في قصيدة تجاوزت الثلاثين بيتا أولها :
الحمد لله ذي الجلال ما أعظمه
سبحانه علا وجل ما أكمله
و في القرن الحادي عشر ، نجد ما يفيد أن الشعر الامازيغي كانت لـه مكانته ، و من ذلك " أمحاولو الايسي " [3] تقدم بقصيدة عربية يمدح بها سيدي علي بودميعة أمام جمع كبير من العلماء و الصالحين و الاشياخ ، ثم قام أحد شعراء الامازيغية ليمدح بدوره ، غير أن بعض الفقهاء أراد أن يسكته فأمر " بودميعة " ذلك الفقيه بأن يدع الشاعر ينشد ، فلما أتم إنشاده علق أحد الحاضرين على الشاعرين بقولـه : « … لا أدري ما الفرق بين الرجلين إلا إذا عظمنا العربية » .و في القرن الثاني عشر و في هذه الفترة كان الناس في حاجة إلى ما يقوي إسلامهم باللسان الامازيغي الذي لا يعرف العامة حينئذ سواه ، و من أجل ذلك قام بعض الفقهاء بترجمة كتب فقهية من العربية إلى الامازيغية فأقبل المتعلمون على نسخها و تهافت العوام على حفظها و تطبيقها . و الترجمة في هذه المرحلة لا تعني ضعف الشعر الامازيغي في ذلك العصر بقدر ما هي إغناء لموضوعاته و تزكية لقيمته و تأثيره في النفوس . و قد برز في ميدان الشعر في هذا العصر الشاعر " سيدي حمو أوطالب " . و يأتي القرن الثالث عشر ليؤكد استمرارية حظور الشعر ، و اهتمام مختلف الشرائح به ، إذ في هذا القرن كتبت العديد من الاشعار بالامازيغية ، فحتى شعر الملاحم فإنه ظل موجودا و الذي سمعنا بازدهاره قبل الاسلام ، و قد ذكر " محمد المختار السوسي " أنه سمع يوما من الشاعر " ابن أيفيل " قصيدة بليغة في الواقعة التي كانت عام 1921 ، و قد صدرت عن السوسي عبارة تعكس بجلاء مدى تأثره بتلك الملحمة إذ قال : « فإذا بي أشده بتصوير ذلك و ترتيب وقائعه … » .
و يأتي أهم هذه القرون و هو القرن الرابع عشر ، و الذي سيحظى باهتمام خاص باعتباره عصر تجدد انطلاقة الشعر الامازيغي .
و بعد أن تطرقنا لأهم المراحل التي مر منها الشعر الامازيغي فإن القرن الرابع عشر يعتبر عصر تجدد انطلاقه سواء من حيث الابداع أو التدوين أو الدراسة ، ففي نصفه الاول كتبت مقالات حولـه، و تناولته كتب أخرى بالدراسة كما صدرت منه دواوين مترجمة ، و كان هذا بلغات كالالمانية و الانجليزية و الفرنسية ، و في هذا القرن عاش أبرز الشعراء المرموقين و المعروفين لدينا اليوم و في مقدمتهم " الحاج بلعيد " المتوفي سنة 1946 و " الرايس الحسين جنطي " المتوفي سنة 1975 و " الرايس الحاج محمد الدمسيري " المتوفي سنة 1989 و " فاطمة تحيحيت " ، كما نجد مجموعات غنائية التي تغني هذا الشعر مثل مجموعات : " ءيزماز ، أرشاش ، إزنزارن … " .
[1] عباس الجراري " من وحي الثراث " ص : 137 . مطبعة الأمنية الرباط
[1] محمد المختار السوسي " خلال جزولة " ج/3 . ص : 120 . مطبعة المهدية . تطوان .[1] أمحاولو الادريسي المتوفى سنة 1112 هـ
الحمد لله ذي الجلال ما أعظمه
سبحانه علا وجل ما أكمله
و في القرن الحادي عشر ، نجد ما يفيد أن الشعر الامازيغي كانت لـه مكانته ، و من ذلك " أمحاولو الايسي " [3] تقدم بقصيدة عربية يمدح بها سيدي علي بودميعة أمام جمع كبير من العلماء و الصالحين و الاشياخ ، ثم قام أحد شعراء الامازيغية ليمدح بدوره ، غير أن بعض الفقهاء أراد أن يسكته فأمر " بودميعة " ذلك الفقيه بأن يدع الشاعر ينشد ، فلما أتم إنشاده علق أحد الحاضرين على الشاعرين بقولـه : « … لا أدري ما الفرق بين الرجلين إلا إذا عظمنا العربية » .و في القرن الثاني عشر و في هذه الفترة كان الناس في حاجة إلى ما يقوي إسلامهم باللسان الامازيغي الذي لا يعرف العامة حينئذ سواه ، و من أجل ذلك قام بعض الفقهاء بترجمة كتب فقهية من العربية إلى الامازيغية فأقبل المتعلمون على نسخها و تهافت العوام على حفظها و تطبيقها . و الترجمة في هذه المرحلة لا تعني ضعف الشعر الامازيغي في ذلك العصر بقدر ما هي إغناء لموضوعاته و تزكية لقيمته و تأثيره في النفوس . و قد برز في ميدان الشعر في هذا العصر الشاعر " سيدي حمو أوطالب " . و يأتي القرن الثالث عشر ليؤكد استمرارية حظور الشعر ، و اهتمام مختلف الشرائح به ، إذ في هذا القرن كتبت العديد من الاشعار بالامازيغية ، فحتى شعر الملاحم فإنه ظل موجودا و الذي سمعنا بازدهاره قبل الاسلام ، و قد ذكر " محمد المختار السوسي " أنه سمع يوما من الشاعر " ابن أيفيل " قصيدة بليغة في الواقعة التي كانت عام 1921 ، و قد صدرت عن السوسي عبارة تعكس بجلاء مدى تأثره بتلك الملحمة إذ قال : « فإذا بي أشده بتصوير ذلك و ترتيب وقائعه … » .
و يأتي أهم هذه القرون و هو القرن الرابع عشر ، و الذي سيحظى باهتمام خاص باعتباره عصر تجدد انطلاقة الشعر الامازيغي .
و بعد أن تطرقنا لأهم المراحل التي مر منها الشعر الامازيغي فإن القرن الرابع عشر يعتبر عصر تجدد انطلاقه سواء من حيث الابداع أو التدوين أو الدراسة ، ففي نصفه الاول كتبت مقالات حولـه، و تناولته كتب أخرى بالدراسة كما صدرت منه دواوين مترجمة ، و كان هذا بلغات كالالمانية و الانجليزية و الفرنسية ، و في هذا القرن عاش أبرز الشعراء المرموقين و المعروفين لدينا اليوم و في مقدمتهم " الحاج بلعيد " المتوفي سنة 1946 و " الرايس الحسين جنطي " المتوفي سنة 1975 و " الرايس الحاج محمد الدمسيري " المتوفي سنة 1989 و " فاطمة تحيحيت " ، كما نجد مجموعات غنائية التي تغني هذا الشعر مثل مجموعات : " ءيزماز ، أرشاش ، إزنزارن … " .
[1] عباس الجراري " من وحي الثراث " ص : 137 . مطبعة الأمنية الرباط
[1] محمد المختار السوسي " خلال جزولة " ج/3 . ص : 120 . مطبعة المهدية . تطوان .[1] أمحاولو الادريسي المتوفى سنة 1112 هـ
الفصل الأول : II. الشعر الامـــــازيغـــي.(1. تعـريفــــــــه :)
II. الشعر الامـــــازيغـــي :
1. تعـريفــــــــه :
يسمى الشعر في الامازيغة ب " أمارك " و جمعه " أيمورك " و فعله " سموريك " و من ذلك و روده في البيت الاخير من شعر " حسن إدبلقاسم "[1] .
نك ن ءآفوس دايجديكن لتشين غ فالاسطيننسمون آغماء لحنا د تفرخين غ لفيتنامآر نتيرير ، ارنسمو ريك
تعريب :
يدنا ممدودة بزهور البرتقال في فلسطينو حفلات الحناء نحييها مع فيتات من الفيتنامفنغني ، و نبدع الاشعار
و إضافة إلى اعتبار كلمة " أمارك " اصطلاحا على الشعر ، فإنها لغة تعني : الشوق و مجازا قد تطلق على معاني أخرى كالحب و الوهن و الموسيقى …و مما يؤكد أن تلك الكلمة يصطلح بها على الشعر قول " الرايس احمد أمنتاك" ينوه بشعر " الرايس محمد الدمسيري " ، و موسيقاه :
أمارك نس ، ريباب نس ، آس إيلا شاراف
تعريب :
بشعره ، و ربابه ، بلغ المجد
أي أن الدرجة الرفيعة التي بلغها الرايس محمد الدمسيري اليوم ، نتيجة براعته في قول الشعر - أمارك – و العزف الموسيقي على آلة " الرباب " .
و هناك أدلة أخرى تؤكد أن الشعر في الامازيغية يصطلح عليه ب" أمارك " و منها :
*كون تلك الكلمة ، أكثر استعمالا عند الحديث عن الشعر في المصادر المكتوبة و الشفوية .
*ترد في أحاديث الناس و هم يقصدون بها الشعر و ليس الموسيقى ، أو الغناء أو الرقص في مثل " فلان إحسا كيكان نومارك " . أي فلان يحفظ كثيرا من الشعر . لأن القطع الموسيقية و الحركات لا تحفظ عن ظهر قلب حينئذ .
*هناك حكايات طريفة مشهورة باسم " نص أومارك " أي نصف الشعر كأن يكون البيت الاول موزونا و البيت الذي يليه غير مستقيم وزنا إلى درجة النثرية .
*المؤلفون المغاربة و الاجانب الذين تطرقوا للشعر الامازيغي جلهم استعمل كلمة " أمارك " للدلالة على الشعر .
*شاعرنا " سيدي حمو " ، يميز عن غيره بكونه : سيدي حمو باب ن اومارك أي سيدي حمو منشئ الشعر .و يظهر أن هذا كله ، يكفي دليلا على أن كلمة " امارك " هي اسم الشعر في الامازيغية .
[1] " أجديك ن قاوش " قصيدة أمازيغية ضمن ، أعمال الدورة الاولى ، جمعية الجامعة الصيفية بأكادير . مطبعة فغالة المحمدية : ص : 289 . طبعة 1982 م
1. تعـريفــــــــه :
يسمى الشعر في الامازيغة ب " أمارك " و جمعه " أيمورك " و فعله " سموريك " و من ذلك و روده في البيت الاخير من شعر " حسن إدبلقاسم "[1] .
نك ن ءآفوس دايجديكن لتشين غ فالاسطيننسمون آغماء لحنا د تفرخين غ لفيتنامآر نتيرير ، ارنسمو ريك
تعريب :
يدنا ممدودة بزهور البرتقال في فلسطينو حفلات الحناء نحييها مع فيتات من الفيتنامفنغني ، و نبدع الاشعار
و إضافة إلى اعتبار كلمة " أمارك " اصطلاحا على الشعر ، فإنها لغة تعني : الشوق و مجازا قد تطلق على معاني أخرى كالحب و الوهن و الموسيقى …و مما يؤكد أن تلك الكلمة يصطلح بها على الشعر قول " الرايس احمد أمنتاك" ينوه بشعر " الرايس محمد الدمسيري " ، و موسيقاه :
أمارك نس ، ريباب نس ، آس إيلا شاراف
تعريب :
بشعره ، و ربابه ، بلغ المجد
أي أن الدرجة الرفيعة التي بلغها الرايس محمد الدمسيري اليوم ، نتيجة براعته في قول الشعر - أمارك – و العزف الموسيقي على آلة " الرباب " .
و هناك أدلة أخرى تؤكد أن الشعر في الامازيغية يصطلح عليه ب" أمارك " و منها :
*كون تلك الكلمة ، أكثر استعمالا عند الحديث عن الشعر في المصادر المكتوبة و الشفوية .
*ترد في أحاديث الناس و هم يقصدون بها الشعر و ليس الموسيقى ، أو الغناء أو الرقص في مثل " فلان إحسا كيكان نومارك " . أي فلان يحفظ كثيرا من الشعر . لأن القطع الموسيقية و الحركات لا تحفظ عن ظهر قلب حينئذ .
*هناك حكايات طريفة مشهورة باسم " نص أومارك " أي نصف الشعر كأن يكون البيت الاول موزونا و البيت الذي يليه غير مستقيم وزنا إلى درجة النثرية .
*المؤلفون المغاربة و الاجانب الذين تطرقوا للشعر الامازيغي جلهم استعمل كلمة " أمارك " للدلالة على الشعر .
*شاعرنا " سيدي حمو " ، يميز عن غيره بكونه : سيدي حمو باب ن اومارك أي سيدي حمو منشئ الشعر .و يظهر أن هذا كله ، يكفي دليلا على أن كلمة " امارك " هي اسم الشعر في الامازيغية .
[1] " أجديك ن قاوش " قصيدة أمازيغية ضمن ، أعمال الدورة الاولى ، جمعية الجامعة الصيفية بأكادير . مطبعة فغالة المحمدية : ص : 289 . طبعة 1982 م
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)